فصل: تفسير الآية رقم (42)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 11‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏6‏)‏ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏7‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏8‏)‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏9‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏(‏10‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة‏}‏ يعني إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة وأنتم محدثون، ويقال‏:‏ إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة ‏{‏فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق‏}‏ يعني‏:‏ مع المرافق ‏{‏وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين‏}‏ يعني مع الكعبين‏.‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم، وفي رواية أبي بكر ‏{‏وَأَرْجُلَكُمْ‏}‏ بكسر اللام وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالنصب فإنه جعله نصباً لوقوع الفعل عليه وهو الغسل، يعني واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين‏.‏ ومن قرأ بالكسر جعله كسراً لدخول حرف الخفض وهو الباء، فكأنه قال‏:‏ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، يعني إذا كان عليه خفان، وقد ثبت ذلك بالسنة‏.‏ ويقال‏:‏ صار كسراً بالمجاورة كما قال في آية أخرى ‏{‏وَحُورٌ عِينٌ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 22‏]‏ قرأ بعضهم بالكسر بالمجاورة، فهذه الأربعة التي ذكرت في الآية من فرائض الوضوء، وما سوى ذلك آداب وسنن‏.‏ فإن قيل‏:‏ الآية إذا قرئت بقراءتين فالله تعالى قال بهما جميعاً أو بإحداهما‏؟‏ قيل له‏:‏ هذا على وجهين‏:‏ إن كان لكل قراءة معنى غير المعنى الآخر، فالله تعالى قال بهما جميعاً، وصارت القراءتان بمنزلة الآيتين، وإن كانت القراءتان معناهما واحد، فالله تعالى قال لإحداهما، ولكنه رخص بأن يقرأ بهما جميعاً‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا‏}‏ قد يوصف الجمع بصفة الواحد كقوله ‏{‏وَإِن كُنتُمْ جُنُباً‏}‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ‏}‏ قوله‏:‏ ‏{‏فاطهروا‏}‏ معناه فتطهروا إلا أن التاء أدغمت في الطاء لأنهما من مكان واحد فإذا، أدغمت فيها سكن أول الكلمة وزيدت ألف الوصل للابتداء‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ‏}‏ يعني من الصعيد‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ‏}‏ يقول‏:‏ لا يكلفكم في دينكم من ضيق ‏{‏ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ يطهركم من الأحداث والجنابة ‏{‏وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ‏}‏ بما أنعم من الرخص ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ لكي تشكروا الله لما رخص لكم ولم يضيق عليكم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ‏}‏ يقول‏:‏ احفظوا منن الله عليكم بإقراركم بوحدانية الله تعالى ‏{‏وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ‏}‏ يعني يوم الميثاق حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام وقال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏ هكذا قال في رواية الكلبي ومقاتل والضحاك‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو الميثاق الجبلة والإدراك، فكل من أدرك فقد أخذ عليه الميثاق، وشهدت له خلقته وجبلته فصار ذلك كالإقرار منه، ثم قال ‏{‏إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا‏}‏ يوم الميثاق، قلتم سمعنا قولك يا ربنا وأطعنا أمرك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏واتقوا الله‏}‏ في نقض العهد والميثاق ‏{‏إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏، يعني‏:‏ عالم بسرائركم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏الصدور يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بالقسط‏}‏ يعني قوالين بالحق‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى * أَن لا ****تَعْدِلُواْ‏}‏ وذلك أن الله تعالى لما فتح على المسلمين مكة، أمر الله المسلمين أن لا يكافئوهم بما سلف، وأن يعدلوا في القول والحكم والنصفة‏.‏ وذلك قوله ‏{‏اعدلوا‏}‏ يعني قولوا الحق والعدل ‏{‏هُوَ أَقْرَبُ للتقوى‏}‏ يعني فإنه أقرب للطاعة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏واتقوا الله‏}‏ يقول‏:‏ واخشوا الله بما أمركم به ‏{‏إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ من الطاعة وغيره‏.‏

ثم بيّن ثواب من عمل بطاعته فقال‏:‏ ‏{‏وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ يعني الطاعات ‏{‏لَهُم مَّغْفِرَةٌ‏}‏ لذنوبهم ‏{‏وَأَجْرٌ عَظِيمٌ‏}‏ يعني ثواب عظيم في الجنة‏.‏ ويقال‏:‏ إن أهل مكة قالوا بعدما أسلموا‏:‏ ما لنا في الآخرة وقد أخرجناك وأصحابك‏.‏ فقالوا‏:‏ وعد الله الذين آمنوا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات بعد الإسلام لهم مغفرة لما فعلوا في حال الشرك وأجر عظيم في الآخرة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا‏}‏ يعني‏:‏ جحدوا وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وماتوا على ذلك ‏{‏أولئك أصحاب الجحيم‏}‏ يعني مقيمين فيها أبداً‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الجحيم يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ‏}‏ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وصالح بني قريظة وبني النضير، وهما قبيلتان بقرب المدينة، وأخذ منهم الميثاق بأن لا يكون بينهم القتال، وأن يتعاونوا فيما بينهم على الديات، فدخل مستأمنان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجا من عنده فقتلهما «عمرو بن أمية الضمري»، ولم يعلم بأنهما مستأمنان، فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية حُرَّين مسلمين، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر وعلي إلى بني النضير ليستعين بهم في ديتهما، فقالوا‏:‏ مرحباً حتى نستأذن إخواننا من بني قريظة‏.‏ وقال في رواية الكلبي‏:‏ خرج إلى بني قريظة فقالوا‏:‏ حتى نستأذن إخواننا من بني النضير، وأدخلوهم داراً وأجلسوهم في صفّة، وجعلوا يجمعون السلاح، وهموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا ينتظرون كعب بن الأشرف وكان غائباً، فنزل جبريل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصة وخرج، فلما أبطأ الرجوع قام أبو بكر فخرج، ثم خرج عمر، ثم خرج علي رضي الله عنهم فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏الجحيم يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ‏}‏ ‏{‏إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ‏}‏ يقول‏:‏ أرادوا وتمنوا أن يمدوا أيديهم إليكم بالقتل ‏{‏فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ‏}‏ بالمنع‏.‏

قال الفقيه أبو الليث‏:‏ حدّثنا أبو جعفر، قال‏:‏ حدّثنا علي بن أحمد، قال‏:‏ حدّثنا نصير بن يحيى، قال‏:‏ حدّثنا أبو سليمان، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى بني النضير ليستعين بهم في دية الكافرَيْن اللذيْن قتلهما «عمرو بن أمية الضمري»، فهمّ بنو النضير بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فسار إليهم فحاصرهم، وأمر بقطع النخيل وحاصرهم حتى قالوا‏:‏ أتؤمننا على دمائنا وذرارينا وعلى ما حملت الإبل إلا الحلقة يعني السلاح‏؟‏ قال‏:‏ «نعم» ففتحوا الحصون، وأجلاهم إلى الشام‏.‏ فهذا الخبر موافق رواية مقاتل أنه خرج إلى بني النضير‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ كان سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة إلى البقيع إلى قبور الشهداء وحده، فأتاه رجل من اليهود شديد محارب، فقال‏:‏ إن كنت نبياً كما تزعم فأعطني سيفك هذا، فإن الأنبياء لا يبخلون، فأعطاه سيفه فشهر اليهودي السيف وهزه ليضربه به‏.‏ فلم يجترئ للرعب الذي قذفه الله تعالى في قلبه، ثم ردّ عليه السيف فنزل‏:‏ ‏{‏الجحيم يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون‏}‏ ففي الآية مضمر، فكأنه قال‏:‏ فاتقوا الله وتوكلوا على الله، ‏{‏وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون‏}‏ يعني على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ويثقوا بالنصر لهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 14‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏12‏)‏ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏13‏)‏ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل‏}‏ يعني في التوراة من الإيمان بالله تعالى وبأنبيائه وأن يعملوا بما في التوراة، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني شهداء على قومهم، بعث الله تعالى من كل سِبْطٍ منهم رجلاً ليأخذ كل رجل منهم على سبطه الميثاق، يكونوا شهداء على قومهم‏.‏ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ‏{‏وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً‏}‏ قال‏:‏ من كل سبط من بني إسرائيل رجلاً، أرسلهم موسى عليه السلام إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبة منه خمسة أنفس أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهون سبطهم عن القتال إلا يوشع بن نون، وكالب بن يافن، ويقال كالوب بن يوقنا، أمرا قومهما بالقتال‏.‏ وقال القتبي‏:‏ النقيب الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة شبه العرافة‏.‏ ويقال‏:‏ نقيباً يعني أميناً‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ نقيباً يعني ملكاً، حين بعثهم موسى إلى بيت المقدس جعل موسى عليه السلام عليهم اثني عشر ملكاً، على كل سبط منهم ملك ‏{‏قَالَ الله‏}‏ تعالى للنقباء‏:‏ ‏{‏إِنّى مَعَكُمْ‏}‏ ويقال‏:‏ قال الله لبني إسرائيل حين أخذ عليهم الميثاق في التوراة‏:‏ ‏{‏إِنّى مَعَكُمْ‏}‏ أي معينكم وحافظكم وناصركم ‏{‏لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة‏}‏ يعني‏:‏ ما دمتم أقمتم الصَّلاة ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق‏}‏ يعني‏:‏ صدقتم برسلي ‏{‏وَعَزَّرْتُمُوهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أعنتموهم‏.‏ وقال القتبي‏:‏ أي عظمتموهم والتعزير التعظيم‏.‏ وقال السدي‏:‏ يعني نصرتموهم بالسيف‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ يعني وقَّرْتموهم وقَوَّيتموهم‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ شرفتموهم بالنبوة كما شرفهم الله تعالى‏.‏ ويقال‏:‏ آمنتم برسلي أي أمرتم قومكم، حتى يؤمنوا برسلي ونصرتموهم ‏{‏وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً‏}‏ أي تأمرون قومكم بذلك‏.‏

ثم بيّن جزاءهم وثوابهم إن فعلوا ذلك فقال‏:‏ ‏{‏لاكَفّرَنَّ‏}‏ أي لأمحونَّ ‏{‏عَنْكُمْ سيئاتكم‏}‏ يعني ذنوبكم ‏{‏وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك‏}‏ العهد والميثاق ‏{‏مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل‏}‏ يعني أخطأ قصد الطريق‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم‏}‏ يعني لما أخذ عليهم الميثاق نقضوا الميثاق، فبنقضهم ميثاقهم ‏{‏لعناهم‏}‏ أي لعنهم الله، يعني طردهم من رحمته‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لعناهم‏}‏ يعني عذبناهم بالمسخ‏.‏ ويقال‏:‏ بالجزية‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً‏}‏ يعني يابسة، ويقال‏:‏ خالية عن حلاوة الإيمان‏.‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏قسية‏}‏ بغير ألف، وقرأ الباقون ‏{‏قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً‏}‏ ومعناهما واحد ويقال‏:‏ قست فهي قاسية وقسية‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏يُحَرّفُونَ الكلم‏}‏ والكلم جمع كلمة، يعني يغيرون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏عَن مواضعه‏}‏ يعني في كتابهم مما وافق القرآن، يعني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم، ويقال‏:‏ استحلوا ما حرم الله تعالى عليهم ولم يعملوا به، فكان ذلك تغيير الكلم عن مواضعه‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَنَسُواْ حَظَّا‏}‏ يعني تركوا نصيباً ‏{‏مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ‏}‏ يعني مما أمروا به في كتابهم ‏{‏وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ‏}‏ يعني لا يزال يظهر لك منهم الخيانة ونقض العهد‏.‏

وقال القتبي عن أبي عبيدة‏:‏ إن العرب تضع لفظ الفاعل في موضع المصدر، كقولهم للخوان مائدة، وإنما يميد بهم ما في الخوان فيجوز أن يكون الهاء صفة للخائن، كما يقال رجل طاغية وراوية للحديث‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ‏}‏ يعني‏:‏ مؤمنيهم لم ينقضوا العهد ‏{‏فاعف عَنْهُمْ‏}‏ يعني اتركهم ولا تعاقبهم ‏{‏واصفح‏}‏ عنهم يعني‏:‏ أعرض عنهم ‏{‏إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين‏}‏ الذين يعفون عن الناس، وهذا قبل الأمر بقتال أهل الكتابين‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى‏}‏ وذلك أن الله تعالى لما ذكر حال اليهود ونقضهم الميثاق، فقال على أثر ذلك إن النصارى لم يكونوا أحسن معاملة من اليهود، ثم بيّن معاملتهم فقال‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى‏}‏ ‏{‏أَخَذْنَا ميثاقهم‏}‏ في الإنجيل، بأن يتبعوا قول محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏فَنَسُواْ حَظّاً مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ‏}‏ يعني تركوا نصيباً مما أمروا به في الإنجيل من اتباع قول محمد صلى الله عليه وسلم، ويقال‏:‏ نقضوا العهد كما نقض اليهود، ويقال إنما سموا أنفسهم النصارى لأنهم نزلوا قرية يقال لها «ناصرة»، نزل فيها عيسى عليه السلام فنزلوا هناك وتواثقوا بينهم، ويقال‏:‏ إنما سموا النصارى لقول عيسى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصارى إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله ءَامَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 52‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة‏}‏ يعني ألقينا بينهم العداوة ‏{‏والبغضاء‏}‏ ويقال‏:‏ الإغراء في أصل اللغة الإلصاق، يقال‏:‏ أغريت الرجل إغراءً إذا ألصقت به‏.‏ ويقال‏:‏ إن أصل العداوة التي كانت بينهم ألقاها إنسان يقال له «بولس»، كان بينه وبين النصارى قتال، وكان يهودياً فقتل منهم خلقاً كثيراً، فأراد أن يحتال بحيلة يلقي بينهم القتال ليقتل بعضهم بعضاً، فجاء إلى النصارى، وجعل نفسه، أعور وقال لهم‏:‏ أتعرفوني‏؟‏ فقالوا‏:‏ أنت الذي قتلت منا وفعلت ما فعلت، فقال‏:‏ قد فعلت ذلك كله وأنا تائب، لأني رأيت عيسى ابن مريم في المنام نزل من السماء، فلطم وجهي لطمة وفقأ عيني‏.‏ فقال‏:‏ أي شيء تريد من قومي‏؟‏ فتبت على يده، وإنما جئتكم لأكون بين ظهرانيكم، وأعلمكم شرائع دينكم، كما علمني عيسى في المنام فاتخذوا له غرفة، فصعد تلك الغرفة وفتح كوة إلى الناس في الحائط، وكان يتعبد في الغرفة، وربما كانوا يجتمعون إليه ويسألونه ويجيبهم من تلك الكوة، وربما يأمرهم حتى يجتمعوا ويناديهم من تلك الكوة، ويقول لهم بقول كان في الظاهر منكراً وينكرون عليه، فكان يفسر ذلك القول بتفسير يعجبهم ذلك، فانقادوا كلهم له وكانوا يقبلون قوله بما يأمرهم به‏.‏

فقال لهم يوماً من الأيام‏:‏ اجتمعوا قد حضرني علم، فاجتمعوا، فقال لهم‏:‏ أليس قد خلق الله تعالى هذه الأشياء في الدنيا كلها لمنفعة بني آدم‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، فقال لم تحرمون على أنفسكم هذه الأشياء‏؟‏ يعني الخمر والخنزير وقد خلق لكم ما في الأرض جميعاً، فأخذوا بقوله واستحلوا الخمر والخنزير، فلما مضى على ذلك أيام دعاهم وقال‏:‏ حضرني علم‏.‏ فاجتمعوا وقال لهم‏:‏ من أي ناحية تطلع الشمس‏؟‏ فقالوا‏:‏ من قبل المشرق‏.‏ فقال‏:‏ ومن أي ناحية يطلع القمر والنجوم‏؟‏ فقالوا‏:‏ من قبل المشرق‏.‏ فقال‏:‏ ومن يرسلهم من قبل المشرق‏؟‏ قالوا‏:‏ الله تعالى‏:‏ فقال‏:‏ فاعلموا أنه من قبل المشرق فإن صليتم له فصلوا إليه، فحول صلاتهم إلى المشرق، فلما مضى على ذلك أيام دعا طائفةً منهم وأمرهم بأن يدخلوا عليه في الغرفة‏.‏ وقال لهم‏:‏ إني أريد أن أجعل نفسي الليلة قرباناً لأجل عيسى، وقد حضرني علم وأريد أن أخبركم في السر لتحفظوا عني وتدعوا الناس إلى ذلك‏.‏ ويقال أيضاً إنه أصبح يوماً وفتح عينه الأخرى ثم دعاهم وقال لهم‏:‏ جاءني عيسى الليلة، وقال‏:‏ قد رضيت عنك، فمسح يده على عيني فبرئت، فالآن أريد أن أجعل نفسي قرباناً‏.‏ ثم قال لهم‏:‏ هل يستطيع أحد أن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص إلا الله تعالى‏؟‏ فقالوا‏:‏ لا‏.‏ فقال‏:‏ إن عيسى قد فعل هذه الأشياء، فاعلموا بأنه هو الله‏.‏ فخرجوا من عنده‏.‏ ثم دعا طائفة أخرى فأخبرهم بذلك أيضاً، وقال‏:‏ إنه كان ابنه ثم دعا بطائفة ثالثة وأخبرهم بأنه ثالث ثلاثة، وأخبرهم بأنه يريد أن يجعل نفسه الليلة قرباناً، فلما كان في بعض الليل خرج من بين ظهرانيهم، فأصبحوا وجعلوا كل فريق منهم يقول‏:‏ قد علمني كذا وكذا‏.‏ وقال الفريق الآخر‏:‏ أنت كاذب بل علمني كذا وكذا، فوقع بينهم القتال فاقتتلوا وقتلوا خلقاً كثيراً وبقيت العداوة بينهم ‏{‏إلى يَوْمِ القيامة‏}‏ وهم ثلاث فرق، فرقة بينهم النسطورية قالوا المسيح ابن الله‏.‏ وصنف منهم يقال‏:‏ لهم الماريعقوبية قالوا‏:‏ إن الله هو المسيح‏.‏ وصنف يقال لهم‏:‏ الملكانية، قالوا‏:‏ إن الله ثالث ثلاثة المسيح وأمه والله‏.‏ فأغرى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة‏.‏ ويقال‏:‏ ألقى بينهم العداوة بالجدال والخصومات في الدين، وذلك يحبط الأعمال‏.‏ وقال معاوية بن قرة‏:‏ إياكم وهذه الخصومات في الدين، فإنها تحبط الأعمال‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ ينبئهم في الآخرة الذي هو على الحق‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 17‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ‏(‏15‏)‏ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏16‏)‏ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏يَا أهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا‏}‏ يعني؛ محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ يكتمون ما بين في التوراة، وذلك أنهم كتموا آية الرجم وتحريم الخمر وأكل الربا ونعت محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ‏}‏ يعني يتجاوز عن كثير ولا يخبركم به، وذكر أن رجلاً من أحبارهم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال‏:‏ ما هذا الذي عفوت عنا‏؟‏ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين، وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه أنه لم يترك شيئاً، وقد بينه كله، فلما لم يبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من عنده وذهب، وقال لأصحابه‏:‏ أرى أنه صادق فيما يقول، لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ‏}‏ يعني؛ ضياء من الضلالة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، والنور هو الذي يبين الأشياء ويري الأبصار حقيقتها، فيسمى القرآن نوراً لأنه يقع في القلوب مثل النور، لأنه إذا وقع في قلبه يبصر به‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وكتاب مُّبِينٌ‏}‏ يعني القرآن يبين لكم الحق من الباطل‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَهْدِى بِهِ الله‏}‏ يعني بالقرآن ‏{‏مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ‏}‏ يعني مَنْ طلب الحق ورغب فيه ‏{‏سُبُلَ السلام‏}‏ يعني دين الله الإسلام، والسبل جماعة السبيل وهو الطريق، يعني به طريق الهدى، والسلام اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، يعني هو دين الله تعالى‏.‏ ثم قال ‏{‏وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ‏}‏ يعني يخرج من قلوبهم حلاوة الكفر، ويدخل فيها حلاوة الإيمان ويوفقهم لذلك ‏{‏وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ يعني يوفقهم إلى دين الإسلام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ‏}‏ ثم قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً‏}‏ يقول من يقدر أن يمنع من عذاب الله شيئاً ‏{‏إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الارض جَمِيعاً‏}‏ يعني‏:‏ لو أراد الله أن يهلك عيسى وأمه وجميع الخلق، ولا يقدر عيسى على ردّ ذلك، فكيف يكون إلهاً وهو لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَللَّهِ مُلْكُ *** السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا‏}‏ يعني خزائن السموات والأرض، وجميع الخلق عبيده وإماؤه وحكمه نافذ فيهم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏يَخْلُقُ مَا يَشَاء‏}‏ لأن نصارى أهل نجران كانوا يقولون‏:‏ لو كان عيسى بشراً كان له أب، فأخبر الله تعالى على أنه قادر على أن يخلق خلقاً بغير أب ‏{‏والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ‏}‏ من خلق عيسى وغيره‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 19‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ‏(‏18‏)‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أبْنَاءُ الله وأَحِبَّاؤُه‏}‏ يعني‏:‏ نحن من الله تعالى بمنزلة الأبناء من الآباء في المنزلة والكرامة، والوالد إذا سخط على ولده في وقت يرضى عنه في وقت آخر‏.‏ ويقال‏:‏ معناه نحن أبناء الله وأحباؤه‏.‏ قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم‏}‏ يعني يحرقكم لأنهم كانوا مقرِّين بأنه يحرقهم أربعين يوماً أياماً معدودة، قل لهم فهل رأيتم والداً يحرق ولده أو يحرق مُحِبَّه‏؟‏ ففي الآية دليل أن الله تعالى إذا أحب عبده يغفر ذنوبه، ولا يعذبه بذنوبه، لأنه احتج عليهم فقال‏:‏ ‏{‏فَلِمَ يُعَذّبُكُم‏}‏ إن كنتم أحباء الله تعالى، وقال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَيَسْألُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 222‏]‏ ففيه دليل على أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم، ولا المجاهدين الذين يجاهدون لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 4‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ‏}‏ يعني أنتم لستم بأبناء الله ولا أحبائه، ولكن أنتم خلق كسائر خلق الله تعالى‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء‏}‏ أي يتجاوز عمن يشاء فيهديه لدينه ‏{‏وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء‏}‏ فيهينه ويتركه على الكفر ‏{‏وَللَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا‏}‏ من الخلق ‏{‏وَإِلَيْهِ المصير‏}‏ يعني إليه المرجع، فيجزيهم بأعمالهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مّنْ أَهْلِ الكتاب‏}‏ يعني يا أهل التوراة والإنجيل، وإنما أضافهم إلى الكتاب والله أعلم على وجه التعيير، يعني أنتم أهل الكتاب فلم لا تعملون بكتابكم‏؟‏ كقوله‏:‏ يا عاقل لم لا تفعل كذا وكذا، وإنما تذكر العقل على معنى التعيير أي إنك لا تعمل عمل العقلاء‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا‏}‏ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏يُبَيّنُ لَكُمْ‏}‏ الدين والأحكام والشرائع ‏{‏على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل‏}‏ يعني بعد انقطاع من الرسل والوحي‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ في الآية تقديم وتأخير، معناه قد جاءكم رسولنا على فترة من الرسل يبين لكم، وإنما سمي فترة لأن الدين يفتر ويندرس عند انقطاع الرسل، يعني بين عيسى ومحمد عليهما السلام وقال قتادة‏:‏ كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام خمسمائة وستون سنة‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ خمسمائة وأربعون سنة‏.‏ وقال الضحاك ومقاتل‏:‏ كان بينهما ستمائة سنة‏.‏ وقال وهب‏:‏ كان بينهما ستمائة وعشرون سنة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ‏}‏ يعني لكي لا تقولوا‏:‏ ما جاءنا من رسول بعد ما درس الدين ليبشرنا وينذرنا ‏{‏فَقَدْ جَاءكُمُ‏}‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏بَشِيرٍ‏}‏ بالجنة ‏{‏وَنَذِيرٌ‏}‏ من النار ‏{‏والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ‏}‏ من المغفرة والعذاب وبعث الرسل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 26‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏20‏)‏ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ‏(‏21‏)‏ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ‏(‏22‏)‏ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏23‏)‏ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ‏(‏24‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ‏(‏25‏)‏ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ‏:‏ ياقوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ احفظوا منة الله عليكم ونعمته ‏{‏إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء‏}‏ قال في رواية الكلبي‏:‏ يعني السبعين سوى موسى وهارون عليهما السلام، وهم الذين اختارهم موسى فانطلقوا معه إلى الجبل‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء‏}‏ يعني في بني إسرائيل، فكان فيهم أربعة آلاف نبي عليهم السلام ثم قال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً‏}‏ يعني‏:‏ بعد العبودية لفرعون‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ إن الرجل إذا لم يدخل عليه أحد في بيته إلا بإذنه فهو ملك‏.‏ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً‏}‏ أي جعل لكم أزواجاً وخدماً وبيوتاً وبنين‏.‏ ويقال‏:‏ من استغنى عن غيره فهو ملك‏.‏ وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَنْ أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ وَلَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم اذكروا نِعْمَةَ‏}‏ يعني أعطاكم ما لم يعط أحداً من الخلق، وهو‏:‏ المن والسلوى والغمام وغير ذلك‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏العالمين يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ‏}‏ يعني المطهرة، والمقدسة في اللغة هو المكان الذي يتطهر فيه، فتأويله البيت الذي يتطهر فيه الإنسان من الذنوب‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏}‏ يعني التي أمركم الله أن تدخلوها‏.‏ ويقال‏:‏ التي وعد لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته، وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له مقدار ما يمد بصره فصار ذلك ميراثاً منه حين خرج إبراهيم عليه السلام فقال له جبريل‏:‏ انظر يا إبراهيم‏.‏ فنظر فقال‏:‏ يعطي الله تعالى لك ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك‏.‏ وهي أرض فلسطين وأردن وما حولهما‏.‏ فقال موسى لقومه‏:‏ ‏{‏ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏}‏ يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم عليه السلام ولكم ميراث منه

وقال القتبي‏:‏ أصل الكتاب ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع منه المعاني‏.‏ ويقال‏:‏ كتب يعني قضى كما قال‏:‏ ‏{‏قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مولانا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 51‏]‏ ويقال‏:‏ كتب أي فرض كما قال‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام‏}‏ أي فرض ويقال‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي جعل كما قال‏:‏ ‏{‏فاكتبنا مَعَ الشاهدين‏}‏ ويقال‏:‏ كتب أي أمر‏.‏ كما قال‏:‏ ‏{‏ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏}‏ يعني أمر الله لكم بدخولها‏.‏ قال‏:‏ ويقال كتب هاهنا بمعنى جعل‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم‏}‏ يعني لا ترجعوا عما أمرتم به من الدخول ‏{‏فَتَنقَلِبُواْ‏}‏ أي فتصيروا ‏{‏خاسرين‏}‏ بفوات الدرجات ووجوب الدركات، أي مغبونين في العقوبة، فبعث موسى عليه السلام اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً يأتيهم بخبر الجبارين، فلما أتوهم لقيهم بعض أصحاب تلك المدينة جاؤوا وأخذوا أصحاب موسى، فجعل كل رجل رجلين من أصحاب موسى عليه السلام في كمه، حتى جاؤوا بهم إلى الملك‏.‏

ويقال‏:‏ لقيهم رجل واحد اسمه «عوج»، فاحتملهم في ثوبه وأتى بهم حتى ألقاهم بين يدي الملك؛ فنظر إليهم وقال‏:‏ هؤلاء يريدون أن يأخذوا مدينتنا‏.‏ فأراد قتلهم فقالت امرأته‏:‏ أيش تصنع بقتل هؤلاء الضعفاء‏؟‏ ويكفيهم ما رأوا من أمر القوم وأمر هذه البلدة‏.‏ فأنعِم عليهم ودعهم حتى يرجعوا ويذهبوا إلى موسى وقومه بالخبر، فأرسلهم الملك وأعطاهم عنقوداً من العنب فحملوه على عمودين، فرجعوا إلى موسى عليه السلام وقالوا فيما بينهم‏:‏ لا تخبروا قوم موسى بهذا الخبر، فإنهم يجبنون عن القتال، والله تعالى قد وعد لموسى بأن يفتح عليهم هذه البلدة، ولا تخبروا أحداً سوى موسى‏.‏ فلما رجعوا أخبروا بخبرهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا‏.‏

فلما أمر موسى قومه بدخول البلدة ‏{‏قَالُواْ يَا موسى أَنِ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني طول كل رجل منهم ستة أذرع ونصف‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ طول كل رجل منهم ثمانون ذراعاً‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا‏}‏ يعني من تلك البلدة، وهي الأرض المقدسة واسمها إيلياء‏.‏ ويقال مدينة أخرى يقال لها أريحا ‏{‏فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا داخلون‏}‏ ‏{‏قَالَ رَجُلاَنِ‏}‏ يعني يوشع بن نون وكالب ‏{‏مِنَ الذين يَخَافُونَ‏}‏ الله تعالى ‏{‏أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا‏}‏ بالإسلام، ويقال من الذين يخافون الجبارين ‏{‏أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا‏}‏ فلم يخافا وصدقا في مقالتهما ‏{‏ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب‏}‏ وهي أريحا أو إيلياء ‏{‏فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالبون‏}‏ يعني أن القوم إذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، فتكونوا غالبين ‏{‏وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُواْ‏}‏ يعني فثقوا بأنه ناصركم ‏{‏إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ يعني‏:‏ مصدقين بوعد الله تعالى، فقال لهم موسى‏:‏ ادخلوا عليهم ‏{‏قَالُواْ يَا موسى‏}‏ أتصدق اثنين وتكذب العشرة ‏{‏إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا‏}‏ يعني‏:‏ قل لربك أن ينصرك عليهم كما نصرك على فرعون‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ يعني اذهب فقاتل وليقاتل معك ربك، وليتم أمرك كما أتم قبل ذلك فهو يعينك، فإنا لا نستطيع قتال الجبابرة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ‏}‏ يعني أنت وسيدك هارون، لأن هارون كان أكبر منه بسنتين أو بثلاث سنين ‏{‏فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون‏}‏ فغضب موسى عليه السلام من قولهم ‏{‏قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى‏}‏ هارون‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى‏}‏ يحتمل معنيين، أحدهما‏:‏ لا أملك إلا نفسي، وأخي لا يملك إلا نفسه‏.‏ ويحتمل‏:‏ لا أملك إلا نفسي وأخي، لأن أخاه كان مطيعاً له فهو يملك طاعته‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين‏}‏ يعني‏:‏ اقضِ بيننا وبين القوم العاصين‏.‏

ثم قَالَ الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ‏}‏ يعني الأرض المقدسة، دخولها محرم عليهم ‏{‏أَرْبَعِينَ سَنَةً‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏يَتِيهُونَ فِى الارض‏}‏ ضلالاً يعني‏:‏ يتحيرون فيها ولا يعرفون وجه الخروج منها ضلالاً في التيه‏.‏ ويقال‏:‏ فإنها محرمة عليهم، وتم الكلام‏.‏ ثم قال أربعين سنة يتيهون في الأرض، فعمي عليهم السبيل، فحبسهم بالنهار وسيّرهم بالليل، يسهرون ليلتهم ويصبحون حيث أمسوا، وكان التيه بين فلسطين وأيلة ست فراسخ في اثني عشر فرسخاً، فمكثوا فيها أربعين سنة لم يقدروا على الخروج منها‏.‏ قال بعضهم‏:‏ لم يكن موسى وهارون عليهما السلام في التيه، لأن الأنبياء لا يعذبون وقال بعضهم‏:‏ كانا فيه وسهل الله تعالى عليهما كما سهل على إبراهيم عليه السلام النار، وجعلها برداً وسلاماً‏.‏ ويقال‏:‏ إن موسى وهارون قد ماتا في التيه، وهلكت تلك العصابة ولم يبقَ منهم إلا يوشع وكالب، فخرج يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة، وفتحوها عند غروب الشمس‏.‏ وذكر في الخبر أن يوشع دعا بأن ترد الشمس فردت ثلاث ساعات حتى فتحوا البلدة، فاختلفت النجوم عن مجاريها من ذلك اليوم، فخفي على المنجمين، فلما بقوا في التيه ندم موسى على دعائه، فأوحى الله تعالى إليه ‏{‏فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين‏}‏ يعني لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم لا تحزن على قومك إن لم يؤمنوا‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏أَرْبَعِينَ سَنَةً‏}‏ صار نصباً بمعنى يتيهون لأن في التفسير، إن دخلوها لم يكن محرم عليهم أبداً‏.‏ كذا قاله ابن عباس رضي الله عنه‏.‏ وإنما دخلها أولادهم‏.‏ وقال قوم‏:‏ حرمت أربعين سنة فكانوا يتيهون أربعين سنة وفتحوا‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 31‏]‏

‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏27‏)‏ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ‏(‏28‏)‏ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ‏(‏29‏)‏ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏30‏)‏ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِم‏}‏ يعني اقرأ على قومك ‏{‏نَبَأَ‏}‏ يعني خبر ‏{‏واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ‏}‏ يعني بالصدق ‏{‏إِذْ قَرَّبَا قربانا‏}‏ وذلك أن حواء عليها السلام ولدت غلاماً وجارية في بطن واحد، قابيل وأخته إقليما، ثم ولدت في بطن آخر هابيل وأخته ليوذا، فلما كبروا أمر الله تعالى بأن يزوج كل واحد منهما أخت صاحبه، وكانت أخت قابيل أحسن، فأبى قابيل وقال‏:‏ بل زوج كل واحد منا أخته، فقال آدم‏:‏ إن الله تعالى أمرني بذلك‏.‏ فقال له قابيل‏:‏ إن الله تعالى لم يأمرك بهذا، ولكنك تميل إلى هابيل‏.‏ فأمرهما بأن قربا قرباناً، فأيكما تقبل قربانه كان أحق بها، فعمد قابيل وكان صاحب زرع إلى شر زرعه ووضعه عند الجبل، وعمد قابيل وكان صاحب مواشي إلى خير غنمه فوضعها عند الجبل، وكان قابيل يضمر في قلبه أنه إن تقبل منه أو لم يتقبل لا يسلم إليه أخته، فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل، وكان ذلك علامة القبول، وتركت قربان قابيل فذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِذْ قَرَّبَا قربانا‏}‏ يعني وضعا قرباناً‏.‏ ‏{‏فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا‏}‏ يعني هابيل ‏{‏وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الاخر‏}‏ يعني قابيل ف ‏{‏قَالَ‏}‏ قابيل لهابيل ‏{‏لاَقْتُلَنَّكَ قَالَ‏}‏ ولم‏؟‏ قال‏:‏ لأن الله قد قبل قربانك ورد عليّ قرباني‏.‏ فقال له هابيل‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين‏}‏ ولم يكن الذنب مني، وإنما لم يتقبل منك لخيانتك وسوء نيتك‏.‏ وقال بعض الحكماء‏:‏ العاقل من يخاف على حسناته، لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين‏}‏ والخاسر من يأمن من عذاب الله لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 99‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ‏}‏ يعني هابيل قال لقابيل‏:‏ لئن مددت إليَّ يدك ‏{‏لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لاِقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ العالمين‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ‏}‏ يعني‏:‏ إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني بقتلك إياي وبإثمك الذي عملت قبل قتلي وهي الخيانة في القربان وغيره‏.‏ ويقال‏:‏ إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني أن لا أبسط يدي إليك لترجع أنت بإثمي وإثمك، ولا يكون عليَّ من الإثم شيء‏.‏ ويقال‏:‏ معناه إني أريد أن تؤخذ بإثمي وإثمك‏.‏ ‏{‏فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار‏}‏ يعني لكي لا يكون من أصحاب النار ‏{‏وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين‏}‏‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ‏}‏ يعني تابعت له نفسه على قتل أخيه ويقال‏:‏ انقادت له طاعة نفسه‏.‏ وقال‏:‏ قتادة زينت له نفسه بقتل أخيه ‏{‏فَقَتَلَهُ‏}‏ قال بعضهم‏:‏ إنه كان لا يدري كيف يقتله، حتى جاء إبليس فتمثل عنده برجلين، فأخذ أحدهما حجراً ولم يزل يضرب الآخر حتى قتله، فتعلم ذلك منه وقال بعضهم‏:‏ بل كان يعرف ذلك بطبعه، لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية، ويمكن إتلافها فأخذ حجراً وقتله بأرض الهند، فلما رجع إلى آدم قال له‏:‏ ما فعلت بهابيل‏؟‏ فقال له قابيل‏:‏ أجعلتني رقيباً على هابيل‏؟‏ فذهب حيث يشاء فبات آدم تلك الليلة محزوناً، فلما أصبح قابيل رجع إلى الموضع الذي قتله، فرأى غراباً وقال بعضهم‏:‏ كان يحمله على عاتقه أياماً لا يدري ما يصنع به حتى رأى غراباً ميتاً، فجاء غراب آخر وبحث التراب برجليه ودفن الغراب الميت في التراب، فذلك قوله تعالى فقتله ‏{‏فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين‏}‏ يعني فصار من المغبونين في العقوبة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الارض‏}‏ وقابيل ينظر إليه‏.‏ وقال القتبي‏:‏ هذا من الاختصار، ومعناه بعث غراباً يبحث التراب على غراب الميت ‏{‏لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْأَةَ أَخِيهِ‏}‏ يعني كيف يغطي عورة أخيه ‏{‏قَالَ‏}‏ قابيل عند ذلك‏:‏ ‏{‏قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ‏}‏ يعني أضعفت في الحيلة ‏{‏أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي‏}‏ يعني فأغطي عورة أخي ‏{‏فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين‏}‏ على حمله حيث لم يدفنه حين قتله‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه‏.‏ ويقال‏:‏ إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياماً عليه، ثم إن قابيل كان على ذروة جبل، فنطحه ثور فوقع على السفح فتفرقت عروقه‏.‏ ويقال‏:‏ دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ كان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل أخاه هربوا فحلقت الطيور بالهواء والوحوش بالبرية والسباع بالغياض، فتزوج شيث عليه السلام بإقليما‏.‏ وروي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ» وقال بعضهم‏:‏ هذه القصة كانت في بني إسرائيل، وهما أخوان قتل أحدهما الآخر، ولكن هذا خلاف قول المفسرين‏.‏

قال الله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 34‏]‏

‏{‏مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ‏(‏32‏)‏ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏33‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏مِنْ أجْلِ ذَلِكَ‏}‏ يعني من أجل خيانة ابن آدم حين قتل أخاه ‏{‏كَتَبْنَا‏}‏ يعني فرضنا ‏{‏على بَنِى إسراءيل‏}‏ وغلّظنا وشدّدنا في التوراة ‏{‏أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ‏}‏ يعني قتل نفساً بغير أن يقتل نفساً ‏{‏أَوْ فَسَادٍ فِى الارض‏}‏ يعني بغير فساد في الأرض، وهو الشرك بالله ‏{‏فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً‏}‏ يعني إذا قتل نفساً بغير جرم واستحل قتله، فكأنه قتل الناس جميعاً، يعني إذا قتل نفساً فجزاؤه جهنم خالداً فيها‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أحياها‏}‏ يعني نجّاها من غرق أو حرق أو يعفو عن القتل ‏{‏فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً‏}‏ يعني‏:‏ له من الأجر كأنما أحيا الناس جميعاً، لأن في حياة نفس واحدة يكون منفعة لجميع الناس، لأنه يدعو لجميع الخلق‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات‏}‏ يعني بالبيان في الأمر والنهي ‏{‏ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذلك‏}‏ البيان ‏{‏فِى الارض لَمُسْرِفُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لمشركون تاركون لأمر الله تعالى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ‏}‏ إن للتأكيد، وما صلة يحاربون الله ورسوله، يعني يخالفون الله ورسوله، ويتركون أمر الله وأمر رسوله مجاهرة وعياناً ‏{‏وَيَسْعَوْنَ فِى الارض فَسَاداً‏}‏ بالقتل وأخذ المال ‏{‏أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ‏}‏ قال مقاتل‏:‏ نزلت هذه الآية في سبعة نفر من بني عرينة، قدموا المدينة فاجتووها‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى إِبِلِنَا وَأَصَبْتُمْ مِنْ ألْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» ففعلوا، فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم، وساروا بالإبل وارتدوا عن الإسلام، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم علياً، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرّة حتى ماتوا‏.‏ وهذا قبل أن تنزل آية الحدود‏.‏ وروى أسباط عن السدي قال‏:‏ نزلت في سودان عرينة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يمثل بهم فنهاه الله تعالى عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحد الذي أنزل عليه‏.‏ وقال سعيد بن جبير إنه مثل بهم ثم نزل بعد ذلك‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله‏}‏ الآية‏.‏ وقال ابن عباس في رواية أبي صالح‏:‏ وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن، فمر أناس من بني كنانة يريدون الإسلام، فمروا بأصحاب أبي بردة ولم يكن أبو بردة حاضراً يومئذٍ، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ‏}‏ الآية‏.‏ ثم صارت الآية عامة في جميع الناس‏.‏

واختلف العلماء في حكمهم وهم قطاع الطريق وهم ثلاثة أصناف‏:‏ صنف يأخذ المال ولا يقتل، وصنف يأخذ المال ويقتل، وصنف يقتل ولا يأخذ المال‏.‏ قال بعضهم‏:‏ إذا وجد من إنسان صنف من هذه الأصناف، فللإمام أن يقيم عليه أي عقوبات شاء، لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ‏}‏ فقد خُيِّر في عقوبتهم، وهو قول الحسن وعطاء‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لكل صنف عقوبة على حدة، والاختيار عند أصحابنا رحمهم الله أنه إن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن قتل وأخذ المال قطع وقتل عند أبي حنيفة‏.‏ وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقتل ولا يقطع‏.‏ وروي عن سعيد بن جبير أنه قال‏:‏ إن قَتل قُتل، وإن قَتل وأخذ المال قطعَ ثم صلب‏.‏ وروي عن ابن عباس نحو هذا‏.‏ ويكون أو بمعنى الواو، فكأنه قال‏:‏ إن يقتلوا ويصلبوا ‏{‏أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف‏}‏ وقال بعضهم‏:‏ يقتل ثم يصلب على وجه النكال والعبرة، وقال بعضهم‏:‏ يصلب حياً ثم يطعن في ليته، يخضخض حتى يموت‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الارض‏}‏ يعني يطلب حتى لا يجد قراراً في موضع ويقال‏:‏ ‏{‏يُنفَوْاْ مِنَ الارض‏}‏ يعني يحبس فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه نفي عن الأرض‏.‏ واحتج هذا القائل بقول بعض أهل السجن في ذلك‏:‏

خَرَجْنَا من الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنَ اهْلِها *** فَلَسْنَا من الأمواتِ فيها ولاَ الأحْيَا

إذا جاءنَا السَّجَّان يَوْماً لِحَاجَة *** عَجِبْنَا وقلنا جَاءَ هذا من الدُّنْيَا

ويقال‏:‏ ينفى إلى دار الحرب‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدنيا‏}‏ يعني ذلك القتل والقطع لهم عذاب وعقوبة في الدنيا، ولا يكون ذلك كفارة لذنوبهم إن لم يتوبوا ‏{‏وَلَهُمْ فِى الاخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ أي أشد مما كان في الدنيا، وهو عذاب النار‏.‏ ثم استثنى فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ‏}‏ يعني رجعوا عن صنيعهم قبل أن يؤخذوا ويردوا المال، فلا يعاقبون في الدنيا ولا في الآخرة، ويغفر الله تعالى لهم ذنوبهم وذلك قوله‏:‏ ‏{‏فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ غفور لذنوبهم رحيم حين قبل توبتهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 37‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏35‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏36‏)‏ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله‏}‏ يعني احذروا المعاصي لكي تنجوا من عذاب الله‏.‏ ‏{‏وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة‏}‏ يعني اطلبوا القرابة والفضيلة بالأعمال الصالحة ‏{‏وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ‏}‏ يعني في طاعته‏.‏ ويقال‏:‏ جاهدوا العدو ‏{‏لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏ أي لكي تنجوا من العقوبة وتنالوا الثواب‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الارض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة‏}‏ يقول‏:‏ إن الكافر إذا عاين العذاب ثم تكون له الدنيا جميعاً ومثلها معها فيقدر على أن يفتدي بها، من العذاب لافتدى بها يقول الله تعالى‏:‏ لو كان ذلك لهم ففعلوه ‏{‏مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ‏}‏ ذلك النداء ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ أي وجيع‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا‏}‏ وذلك أنهم يريدون أن يخرجوا من الأبواب، فتستقبلهم الملائكة فيضربونهم بمقامع من حديد ويردونهم إليها ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ‏}‏ دائم أبداً‏.‏ وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال‏:‏ إن قوماً يخرجون من النار بعدما يدخلونها، قيل له‏:‏ سبحان الله أليس الله يقول‏:‏ ‏{‏يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا‏}‏‏؟‏ فقال جابر‏:‏ اقرؤوا إن شئتم أول الآية ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ‏}‏ يعني هذا للكفار خاصة دون العاصين من المؤمنين‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 39‏]‏

‏{‏وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏38‏)‏ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ‏}‏ بدأ بالرجل لأن السرقة في الرجال أكثر، وقال في الزنى‏:‏ ‏{‏الزانية والزانى‏}‏ بدأ بالنساء، لأن الزنى في النساء أكثر، وهنَّ الفاتنات للرجال ‏{‏فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا‏}‏‏.‏ روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ‏:‏ «فاقطعوا أيمانيهما» وغيره قرأ أيديهما، واتفقوا أن المراد به اليمين من الكرسوع، نزلت الآية في «طعْمَة بن أبَيْرق»، ثم صارت الآية عامة في جميع السُّرَّاق‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إذا سرق قليلاً أو كثيراً يجب القطع، واحتج لظاهر الآية‏.‏ روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ‏"‏ وروي عن ابن الزبير أنه قطع في نعل ثمنه درهم‏.‏ وقال‏:‏ لو سرق خيطاً لقطعته، وقال بعضهم‏:‏ لا يقطع في أقل من ثلاثة دراهم، أو اربع دينار فصاعداً‏.‏

والاختيار عند علمائنا رحمهم الله أن اليد لا تقطع في أقلَّ من عشرة دراهم، وبه جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة رضي الله عنهم‏.‏ قرأ بعضهم‏:‏ ‏{‏والسارق والسارقة‏}‏ بالنصب، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏الزانية والزانى‏}‏ بالنصب، وإنما جعله نصباً لوقوع الفعل عليه، وهو شاذ من القراءة والقراءة المعروفة بالرفع‏.‏

وروي عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال‏:‏ رفعه بالابتداء، لأن القصد ليس إلى واحد من السراق بعينه والزناة بعينه، إنما هو كقولك من سرق فاقطعوا يده، ومن زنى فاجلدوه، ثم قال‏:‏ ‏{‏جَزَاء بِمَا كَسَبَا‏}‏ يعني عقوبة لهما بما سرقا، ‏{‏نكالا‏}‏ يعني‏:‏ عقوبة، ‏{‏مِنَ الله‏}‏ جزاء صار نصباً لأنه مفعول له يعني‏:‏ جزاء بجزاء فعلهما، ثم قال‏:‏ ‏{‏والله عَزِيزٌ‏}‏ حكم على السارق بقطع اليد، ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ‏}‏ يعني‏:‏ من بعد سرقته، ‏{‏وَأَصْلَحَ‏}‏ العمل بعد السرقة ‏{‏فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ يتجاوز عنه، ‏{‏أَنَّ الله غَفُورٌ‏}‏ لما سلف من ذنبه، ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ به بعد التوبة، يعني‏:‏ إذا تاب ورد المال لا تقطع يده‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 41‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏40‏)‏ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏41‏)‏‏}‏

ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ الله لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ‏}‏ يعني‏:‏ خزائن السموات والأرض، يعني‏:‏ خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لَّهُ مُلْكُ السموات والارض‏}‏ يحكم فيها ما يشاء، ‏{‏يُعَذّبُ مَن يَشَاء‏}‏ إذا أصرّ على ذنوبه، ‏{‏وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء‏}‏ إذا تاب ورجع، ومعناه‏:‏ أن السارق إذا تاب، ورد المال لا يقطع ويتجاوز عنه، وإن لم يتب قطعت يده‏.‏

ألا ترى أن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏لَّهُ مُلْكُ السموات والارض، يُعَذّبُ‏}‏ إذا لم يتب ويتجاوز إذا تاب، فافعلوا أنتم مثل ذلك، لأن الله تعالى مع قدرته يتجاوز عن عباده، وهو قوله‏:‏ ‏{‏والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ‏}‏ من المغفرة والعذاب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدِيرٌ يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر‏}‏ نزلت في شأن «أبي لبابة بن عبد المنذر»، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر بني قريظة فأشار إليهم أبو لبابة، وكان حليفاً لهم، إنكم إن نزلتم من حصونكم قتلكم فلا تنزلوا، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏قَدِيرٌ يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر‏}‏ أي يبادرون ويقعون في الكفر، ‏{‏مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم‏}‏ يعني ذلك بألسنتهم ‏{‏وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ‏}‏ في السر‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ نزلت الآية في شأن المنافقين، كانت علانيتهم تصديقاً، وسرائرهم تكذيباً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الذين هِادُواْ سماعون لِلْكَذِبِ‏}‏ يعني‏:‏ قوالون للكذب، وقال القتبي‏:‏ تفسير ‏{‏سماعون لِلْكَذِبِ‏}‏ أي‏:‏ قابلون للكذب، لأن الرجل يسمع الحق والباطل، ولكن يقال‏:‏ لا تسمع من فلان قولاً، أي‏:‏ لا تقبله، ومعنى آخر إنهم يسمعون منك ليكذبوا عليك، لأنهم إنما جالسوه لكي يقولوا‏:‏ سمعنا منه كذا وكذا، وإنما صار ‏{‏سماعون‏}‏ رفعاً لأن معناه‏:‏ هم ‏{‏سماعون لِلْكَذِبِ‏}‏ من ‏{‏سماعون لِلْكَذِبِ سماعون‏}‏ يعني‏:‏ أهل خيبر لم يأتوك، وذلك أن رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا فكرهوا رجمهما، فكتبوا إلى يهود بني قريظة أن يذهبوا بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فإن حكم بالجلد رضوا عنه بحكمه؛ وإن حكم بالرجم لم يقبلوا‏.‏ وروى نافع عن ابن عمر أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكروا له أن رجلاً وامرأة زنيا‏.‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ‏؟‏ ‏"‏ فقالوا‏:‏ يحممان ويجلدان، يعني‏:‏ تُسَوَّدُ وجوههما‏.‏ فقال عبد الله بن سلام‏:‏ كذبتم إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة‏.‏ فأتوا بها فنشروها؛ فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، وقال له عبد الله بن سلام‏:‏ ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم‏.‏

فقالوا‏:‏ صدق عبد الله بن سلام، يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما‏.‏ قال ابن عمر‏:‏ فرأيت الرجل يحنو على المرأة يقيها الحجارة‏.‏

وروى الشعبي عن جابر بن عبد الله أنه قال‏:‏ زنى رجل من أهل فَدَك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن يسألوا محمداً صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فإن أمركم بالحد فحدوه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه، فسألوه، فدعا ابن صوريا وكان عالمهم، وكان أعور، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أنشُدُكَ الله كَيفَ تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُم»‏؟‏‏.‏ فقال ابن صوريا‏:‏ فأما إذ ناشدتني بالله، فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية، والاعتناق زنية؛ والقبلة زنية، فإن شهد أربعة بأنهم رأوه كالميل في المكحلة فقد وجب الرجم‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «هُوَ ذلك»

وروي عن أبي هريرة قال‏:‏ بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجال من اليهود، وقد تشاوروا في صاحب لهم زنى بعدما أُحْصن، قالوا‏:‏ فانطلقوا فلنسأل هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أفتانا بفتوى فيها تخفيف، فاحتججنا عند الله تعالى بها، وإن أفتانا بما فرض الله علينا في التوراة من الرجم تركنا ذلك‏.‏ فقد تركنا ذلك في التوراة وهي أحق أن تطاع، فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم إنه زنى صاحبٌ لنا قد أحصن، فما ترى عليه من العقوبة‏؟‏‏.‏ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقمنا معه، حتى أتى بيت مدراس اليهود، فوجدهم يتدارسون التوراة فقال لهم «يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، أَنْشُدُكُمْ بالله الذي أَنْزَلَ التَّورَاة عَلَى مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَم مَا تَجِدُونَ فِي التَّورَاةِ مِنَ العُقُوبَةِ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَد أَحْصَنَ»‏؟‏‏.‏ فقالوا‏:‏ إنا نجد أن يجلد ويحمم، وسكت حبرهم وهو في جانب البيت؛ فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم ينشده، فقال له حبرهم‏:‏ إذا ناشدتنا فإنا نجد عليه الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كَانَ أَوَّلَ مَا تَرَخَّصْتُمْ بِهِ أمْر اِ تَعَالَى»‏؟‏، قال‏:‏ إنه قد زنى رجل قد أحصن، وهو ذو قرابة لملك من ملوكنا فسجنه، وأخر عنه الحد، وزنى رجل آخر، فأراد الملك رجمه، فجاء قومه وقالوا‏:‏ لا ترجمه حتى ترجم فلاناً، فاصطلحوا بينهم على عقوبة دون الرجم، وتركوا الرجم‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «فَإنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ»، فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الذين هِادُواْ سماعون لِلْكَذِبِ سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ‏}‏ ‏{‏لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه‏}‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يعني‏:‏ من بعد أن وضعه الله تعالى مواضعه، وأحل حلاله وحرم حرامه‏.‏

‏{‏يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ‏}‏ يعني‏:‏ إن أمركم بالجلد فاقبلوه واعملوا به، ‏{‏وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا‏}‏ يقولون‏:‏ إن لم يوافقكم على ما تطلبون، ويأمركم بالرجم فلا تقبلوا منه‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ‏}‏ يعني‏:‏ كفره، وشركه، ويقال‏:‏ فضيحته، ويقال‏:‏ اختباره، ‏{‏فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً‏}‏ يقول‏:‏ لن تقدر أن تمنعه من عذاب الله شيئاً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ‏}‏ من الكفر، ولم يرد أن يدخل حلاوة الإيمان في قلوبهم، وخذلهم مجازاة لكفرهم، ‏{‏لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ‏}‏ يعني‏:‏ القتل، والسبي، والجزية، وهو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير، ‏{‏وَلَهُمْ فِى الاخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ أعظم مما كان في الدنيا‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ‏}‏ قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي ‏{‏السحت‏}‏ بضم الحاء، وقرأ الباقون بضمة واحدة، وهما لغتان السُّحُتُ والسُّحْتُ، وهو الاستئصال‏.‏ يقال‏:‏ أسحته وسَحَتَهُ، إذا استأصله، وكانوا يأكلون الرِّشا، وكان عاقبته الاستئصال، فسماه به كما قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 10‏]‏ «أي‏:‏ يأكلون ما عاقبته نار»‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ بِالسُّحْتِ فَالنَّارُ أوْلَى بِهِ ‏"‏، قالوا يا رسول الله وما السحت‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ الرِّشْوَةُ فِي الحُكْمِ ‏"‏ وقال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ لَعَنَ الله الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي ‏"‏ وروي عن وهب بن منبه، أنه قيل له‏:‏ الرشوة حرام في كل شيء‏؟‏‏.‏ فقال‏:‏ لا، إنما يكره من الرشوة أن ترشو لتعطى ما ليس لك، أو تدفع حقاً قد لزمك‏.‏ فأما إذا أردت أن ترشو لتدفع عن دينك، ودمك، ومالك، فليس بحرام‏.‏ قال الفقيه أبو الليث‏:‏ وبهذا القول نأخذ لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة، وهذا كما روي عن عبد الله بن مسعود، أنه كان بالحبشة فرشى بدينارين، وقال‏:‏ إنما الإثم على القابض دون الدافع‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَإِن جَاءوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ‏}‏، يعني‏:‏ أهل الكتاب إذا خاصموا إليك فأنت بالخيار، إن شئت فاحكم بينهم وإن شئت فأعرض عنهم، ولا تحكم بينهم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط‏}‏ يعني‏:‏ بالعدل، وهو الرجم، ولها وجه آخر، أن الصلح كان بينهم أن تكون جراحات بني قريظة نصفاً من جراحات بني النضير، وفي القتل كذلك، فأمر الله تعالى بأن يحكم بالعدل بينهم، وهو قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط‏}‏ ‏{‏إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين‏}‏ يعني العادلين في الحكم‏.‏ وروي عن عكرمة أنه قال‏:‏ ‏{‏فَانٍ جَاءوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ‏}‏ نسختها آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس لفاسقون‏}‏ ف ق ك ل ‏[‏المائدا‏:‏ 49‏]‏ وقال مجاهد‏:‏ لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله‏:‏ ‏{‏فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ‏}‏ نسختها ‏{‏وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس لفاسقون‏}‏ ‏[‏المائدا‏:‏ 49‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله‏}‏ نسختها قوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وقال الزهري‏:‏ مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم، ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلا أن يأتوا راغبين حكم الله، فيحكم بينهم بكتاب الله تعالى، وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة‏:‏ أن لا يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا‏.‏

ثم قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 44‏]‏

‏{‏وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ‏(‏43‏)‏ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ‏}‏ وكيف يقرّون بحكمك، ‏{‏وَعِندَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله‏}‏ يعني‏:‏ آية الرجم، وحكم الجراحات فلم يقرُّوا بها، ولا يعملوا بها‏.‏

‏{‏ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك‏}‏ يعني‏:‏ يعرضون عن العمل به من بعد ما بيّن الله في كتابهم ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين‏}‏ يعني‏:‏ ليسوا بمصدقين بما عندهم، وهم يقولون‏:‏ نحن نؤمن بالتوراة وهم كاذبون‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى‏}‏ من الضلالة، ‏{‏وَنُورٌ‏}‏ يعني‏:‏ بيان الشرائع والأحكام‏.‏ يعني‏:‏ حكم الرجم والجراحات، ‏{‏يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ‏}‏ يعني‏:‏ يقضي بها النبيون الذين أسلموا، يعني‏:‏ صدقوا بالتوراة من لدن موسى إلى عيسى، وبينهما ألف نبي‏.‏ ويقال‏:‏ أربعة آلاف نبي‏.‏ ويقال‏:‏ أكثر من ذلك، كانوا يحكمون بما في التوراة‏.‏ ‏{‏لِلَّذِينَ هَادُواْ‏}‏ يعني‏:‏ كانوا يحكمون لهم وعليهم‏.‏ ويقال‏:‏ يحكم بها الأنبياء من لدن موسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجم بحكم التوراة‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏والربانيون والاحبار‏}‏ قال بعضهم‏:‏ الربانيون العلماء والأحبار القراء، ويقال‏:‏ الربانيون الذين في العمل أكثر، وفي العلم أقل، والأحبار الذين في العلم أكثر وفي العمل أقل، مثل الفقهاء والعباد‏.‏ ويقال‏:‏ كالفقهاء والعلماء

وقال القتبي‏:‏ كلاهما واحد وهما العلماء، ‏{‏بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله‏}‏ يعني‏:‏ عُلِّموا واستُودعوا من كتاب الله التوراة، ‏{‏وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء‏}‏ بما في كتاب الله الرجم، وسائر الأحكام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس‏}‏ يعني‏:‏ يهود أهل المدينة، لا تخشوا يهود أهل خيبر، وأخبروهم بآية الرجم، ‏{‏واخشون‏}‏ في كتمانه، ‏{‏وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً‏}‏ يعني‏:‏ عرضاً يسيراً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله‏}‏ يعني‏:‏ إذا لم يقر، ولم يبيّن، ‏{‏فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ من يجحد شيئاً من حدود الله فقد كفر، ومن أقر ولم يحكم بها فهو فاسق‏.‏ روى وكيع عن سفيان قال‏:‏ قيل لحذيفة‏:‏ ‏{‏وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون‏}‏، نزلت في بني إسرائيل‏:‏ فقال حذيفة‏:‏ نعم الأخوة لكم، وبنو إسرائيل كانت لكم كل حلوة، ولهم مرة‏.‏ لتسلكن طريقهم قدر الشراك‏.‏ يعني‏:‏ هذه الآية عامة فمن جحد حكم الله فهو من الكافرين‏.‏

ثم بين الحكم الذي في التوراة فقال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 47‏]‏

‏{‏وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏45‏)‏ وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏46‏)‏ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

‏{‏وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ فرضنا على بني إسرائيل، في التوراة ‏{‏أَنَّ النفس بالنفس‏}‏ إذا كان القتل عمداً، ‏{‏والعين بالعين‏}‏ إذا كان عمداً، ‏{‏والانف بالانف‏}‏ إذا كان عمداً، ‏{‏والاذن بالاذن‏}‏ إذا كان عمداً، ‏{‏والسن بالسن‏}‏ إذا كان عمداً، ‏{‏والجروح قِصَاصٌ‏}‏ إذا كان عمداً‏.‏ وروى عكرمة عن ابن عباس‏:‏ أن بني النضير كان لهم شرف على بني قريظة، وكانت جراحاتهم على النصف، فحملهم على الحق، وجعل دم القرظي والنضيري سواء‏.‏ فقال كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف‏:‏ لا نرضى بحكمك، لأنك تريد أن تصغرنا بعداوتك‏.‏ فنزل ‏{‏وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون‏}‏، ثم صارت الآية عامة في جميع الناس في وجوب القصاص في النفس، وفي الجراحات‏.‏ قرأ عاصم وحمزة ونافع ‏{‏أَنَّ النفس بالنفس والعين بالعين‏}‏ والحروف الست كلها بالنصب‏.‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر كلها بالنصب، غير الجروح فإنهم يقرؤونها بالضم على معنى الابتداء‏.‏ وقرأ الكسائي كلها بالضم إلا النفس‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ عفا عن مظلمته في الدنيا، وترك القصاص، ‏{‏فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ‏}‏ قال القتبي‏:‏ فهو كفارة للجارح وأجر للمجروح‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ كفارة للجارح، وأجر للعافي‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو كفارة للعافي، أي يكفر الله تعالى عنه بعفوه بعض ما سلف من ذنوبه‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏كَفَّارَةٌ لَّهُ‏}‏ أي للجارح، يعني‏:‏ إذا ترك الولي حقه سقط القصاص عن الجارح‏.‏

وروى محرر، عن أبي هريرة، عن رجل من الأنصار قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَنْ أُصِيبَ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَرَكَهُ لله تَعَالَى، كَانَتْ كَفَّارَةً لَهُ» وقال الحسن‏:‏ ينادي منادٍ يوم القيامة‏:‏ من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من قد عفا‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون‏}‏ يعني‏:‏ يظلمون أنفسهم‏.‏ والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه‏.‏ فالذي عرض نفسه للعقوبة، فقد وضع الشيء في غير موضعه‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَفَّيْنَا على ءاثارهم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ‏}‏ يعني‏:‏ اتبعنا على أثر الرسل عيسى ابن مريم عليه السلام، ‏{‏مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ موافقاً لما قبله، ‏{‏مِنَ التوراة‏}‏ يقال‏:‏ إن عيسى يصدق التوراة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَقَفَّيْنَا على ءاثارهم بِعَيسَى‏}‏ من الضلالة، ‏{‏وَنُورٌ‏}‏ يعني‏:‏ بيان الأحكام، ‏{‏وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة‏}‏، يعني‏:‏ الإنجيل موافقاً للتوراة في التوحيد، وفي بعض الشرائع، ‏{‏وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ‏}‏ الذين يتقون الشرك، والفواحش‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل‏}‏ قرأ حمزة ‏{‏وَلْيَحْكُمْ‏}‏ بكسر اللام ونصب الميم، وقرأ الباقون بالجزم، فمن قرأ بالكسر، فمعناه‏:‏ وآتيناه الإنجيل، لكي يحكم أهل الإنجيل ‏{‏بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ‏}‏ ومن قرأ بالجزم فهو على الأمر، والمراد به الخبر عن أمر سبق لهم، يعني‏:‏ أمرهم الله تعالى أن يحكموا بما في الإنجيل‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله‏}‏ يعني‏:‏ في الإنجيل وكان حكمهم العفو، ‏{‏فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون‏}‏ يعني‏:‏ العاصين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 50‏]‏

‏{‏وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‏(‏48‏)‏ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ‏(‏49‏)‏ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏وَأنْزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ‏}‏ يعني‏:‏ أنزلنا إليك يا محمد الكتاب بالحق، يعني‏:‏ بيان الحق‏.‏ ويقال‏:‏ بالعرض والحجة، ولم ينزله بغير شيء، ‏{‏مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ موافقاً للتوراة، والإنجيل، والزبور، في التوحيد وفي بعض الشرائع‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ‏}‏ يقول شاهداً على سائر الكتب، بأن الكتاب الأول من الله تعالى ويقال‏:‏ ‏{‏وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ قاضياً عليه، ويقال‏:‏ ناسخاً لسائر الكتب‏.‏

وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ مؤتمناً على ما قبله‏.‏ وقال القتبي‏:‏ أميناً عليه‏.‏ ويقال‏:‏ ومهيمناً عليه، في معنى مؤتمن، إلا أن الهاء أبدلت من الهمزة كما يقال‏:‏ هَرَقْتُ الماء، وأرَقْتُه، وإياك، وهياك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله‏}‏ يعني‏:‏ فاحكم بين الناس بما أنزل الله تعالى في القرآن، ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لا تعمل بأهوائهم ومرادهم، ‏{‏عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق‏}‏ يعني‏:‏ لا تترك الحكم بما بين الله تعالى في القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا‏}‏ يقول‏:‏ جعلنا لكل نبي شريعة، والإيمان واحد، ولم يختلف الرسل في الإيمان، وإنما اختلفوا في الشرائع‏.‏ قال القتبي‏:‏ الشرعة والشريعة واحد، يعني‏:‏ السنة والمنهاج الطريق الواضح‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الشرعة الدين، والمنهاج الطريق، وقد قيل‏:‏ هما شيء واحد، وهو الطريق، ويقال‏:‏ ‏{‏لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا‏}‏ معناه‏:‏ فرضت على كل أمة ما علمت أن صلاحهم فيه‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة‏}‏ يعني‏:‏ جعلكم على شريعة واحدة، ‏{‏ولكن لّيَبْلُوَكُمْ‏}‏ ليخبركم، ‏{‏فِيمَا ءاتاكم‏}‏ يعني‏:‏ أمركم من السنن، والشرائع المختلفة، ليتبين من يطيع الله فيما أمره ونهاه، ومن يعصيه‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ‏}‏ يعني‏:‏ بادروا بالطاعات، وبالأعمال الصالحة، وإلى الصف المقدم، والتكبيرة الأولى‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏}‏ من الدين والسنن يوم القيامة، فهذا وعيد وتهديد، لتستبقوا الخيرات، ولا تتّبعوا البدعة، ولا تخالفوا الكتاب‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله‏}‏ وذلك أن يهود بني النضير قالوا فيما بينهم‏:‏ اذهبوا بنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه‏.‏ وإنما هو بشر فأتَوْه‏.‏ فقالوا‏:‏ يا محمد إنك قد عرفت أنّا أحبار اليهود، وأشرافهم، وسادتهم، وأنّا إن اتبعناك اتبعك اليهود، ولن يخالفونا‏.‏ وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، فنؤمن بك، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك‏.‏ فنزلت هذه الآية ‏{‏وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله‏}‏ يعني‏:‏ اقضِ بينهم بما في القرآن، ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ‏}‏ في الحكم، ‏{‏واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ‏}‏ يعني‏:‏ يصرفوك، ‏{‏عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ‏}‏‏.‏

وقال في رواية الضحاك‏:‏ تزوج مجوسي ابنته، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبت نفقتها، فأمر الله تعالى رسوله أن يفرق بينهما بقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله‏}‏‏.‏ وقال في رواية الكلبي‏:‏ طلبوا منه بأن يحكم بينهم في الدماء على ما كانوا عليه في الجاهلية فنزل ‏{‏وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ‏}‏‏.‏ قال القتبي‏:‏ أصل الفتنة الاختبار‏.‏ ثم يستعمل في أشياء يستعمل في التعذيب كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 10‏]‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 13‏]‏ وتكون الفتنة الشرك، كقوله‏:‏ ‏{‏وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدين للَّهِ فَإِنِ انتهوا فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 193‏]‏ وتكون الفتنة العبرة، كقوله‏:‏ ‏{‏فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 85‏]‏ وتكون الفتنة الصد عن السبيل، كقوله‏:‏ ‏{‏واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ يعني‏:‏ أبَوْا أن يرضوا بحكمك، ‏{‏فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ يعذبهم في الدنيا‏.‏ قال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ بالجلاء إلى الشام، والإخراج من دورهم‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يعني‏:‏ يريد الله أن يأمر بهم إلى النار بذنوبهم‏.‏

ثم قال ‏{‏وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس‏}‏ يعني‏:‏ رؤساء اليهود، ‏{‏لفاسقون‏}‏ يعني‏:‏ لكافرون‏.‏ والفاسق هو الذي يخرج عن الطاعة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يطلبون منك شيئاً لم ينزله الله إليك في حكم الزنى والقصاص كما يفعل أهل الجاهلية‏.‏ قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام ‏(‏تبغون‏)‏ على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً‏}‏ يقول‏:‏ ومن أعدل من الله قضاءً، ‏{‏لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يصدقون بالقرآن‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 53‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏51‏)‏ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ‏(‏52‏)‏ وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

يا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارى أوْلِيَاءَ‏}‏ في العون والنصرة، وذلك أنه لما كانت وقعة أحد، خاف أناس من المسلمين أن يظهر عليهم الكفار، فأراد من كانت بينه وبين النصارى واليهود صحبة أن يتولوهم ويعاقدوهم‏.‏ فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال‏:‏ ‏{‏لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء‏}‏ يعني‏:‏ معيناً وناصراً، ‏{‏بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ‏}‏ يعني‏:‏ بعضهم على دين بعض، ‏{‏وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ من اتخذ منهم أولياء، ‏{‏فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‏}‏ يعني على دينهم ومعهم في النار‏.‏

ثم قال ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين‏}‏ يعني‏:‏ لا يرشدهم إلى الحجة‏.‏ ويقال لا يرشدهم ما لم يجتهدوا، ويقصدوا الإسلام‏.‏ ثم بيّن حال المنافقين‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏فَتَرَى الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏ يعني‏:‏ شرك ونفاق ‏{‏يسارعون فِيهِمْ‏}‏ يقول‏:‏ يبادرون في معاونتهم ومعاقدتهم وولايتهم، ‏{‏يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ ظهور المشركين‏.‏ ويقال‏:‏ شدة وجدوبة فاحتجنا إليهم‏.‏ ويقال‏:‏ نخشى الدائرة على المسلمين، فلا ننقطع عنهم‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ‏}‏ يعني‏:‏ نصر محمد صلى الله عليه وسلم الذي أيسوا منه ‏{‏أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ‏}‏ يعني‏:‏ من قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير‏.‏ ويقال‏:‏ الفتح أي‏:‏ فتح مكة ‏{‏أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ‏}‏ يعني‏:‏ الخصب‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الفتح أن يفتح المغلق‏.‏ ثم قال‏:‏ النصرة فتح، لأن النصرة يفتح الله بها أمراً مغلقاً، كقوله‏:‏ ‏{‏الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله قالوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ قالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً‏}‏» «‏{‏صلى الله عليه وسلم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 141‏]‏ وكقوله ‏{‏فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ‏}‏ يعني‏:‏ إظهار نفاقهم، ‏{‏فَيُصْبِحُواْ على مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ‏}‏ من النفاق، ‏{‏نادمين‏}‏ لأن المنافقين لما رأوا من أمر بني قريظة والنضير ندموا على ما قالوا‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ في ذلك الوقت الذي يظهر نفاقهم، ‏{‏هَؤُلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم‏}‏ يقول‏:‏ إذا حلفوا بالله فهو جهد اليمين‏.‏

‏{‏إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ‏}‏ على دينكم‏.‏ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ‏{‏يَقُولُ الذين آمَنُواْ‏}‏ بغير واو، ومعناه‏:‏ إن الله تعالى لما بيّن حال المنافقين، بيّن على أثره حال المؤمنين‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَقُولُ الذين آمَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ قال الذين آمنوا بعضهم لبعض‏.‏ وقرأ أهل الكوفة حمزة وعاصم والكسائي ‏{‏وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ‏}‏ بالواو وضم اللام ومعناه‏:‏ عسى الله أن يأتي بالفتح، ويندم المنافقون، ويقول الذين آمنوا عند ذلك ‏{‏هَؤُلاء الذين *** أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم‏}‏ وقرأ أبو عمرو ‏{‏وَيَقُولُ‏}‏ بالواو ونصب اللام، عطفاً على قوله‏:‏ ‏{‏عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى *** بالفتح‏}‏ وعسى أن يقول الذين آمنوا‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏حَبِطَتْ‏}‏ يعني‏:‏ بطلت ‏{‏أعمالهم‏}‏ يعني‏:‏ المنافقين الذين كانوا يحلفون أنهم مع المؤمنين وعلى دينهم، ولم يكونوا معهم ‏{‏حَبِطَتْ أعمالهم‏}‏ فلا ثواب لهم في الآخرة ‏{‏فَأَصْبَحُواْ خاسرين‏}‏ يعني‏:‏ صاروا خاسرين في الدنيا وفي الآخرة‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏54‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏54‏)‏‏}‏

‏{‏يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ‏}‏ قرأ نافع وابن عامر، ‏{‏وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ‏}‏ بالدالين، وقرأ الباقون بالدال الواحدة مع التشديد‏.‏ فأما من قرأ يرتدد، فهو الأصل في اللغة، وروي عن أبي عبيدة أنه قال‏:‏ رأيت في مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه، بالدالين‏.‏ وأما من قرأ ‏{‏يَرْتَدَّ‏}‏ لأنه أدغم الدال الأولى في الثانية، فأسكن الأولى، ثم حرّك الثانية إلى النصب لالتقاء الساكنين‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ نزلت هذه الآية في شأن أهل الردة الذين ارتدوا على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أن العرب ارتدوا وقالوا‏:‏ نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأما أن نعطي من أموالنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا‏.‏ وخرج مسيلمة الكذاب فغلب على اليمامة، وامتنعوا‏.‏ فشاور أبو بكر رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قتالهم، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ وكيف نقاتل قوماً، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أُمِرتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا لا إله إلاَّ الله، فَإذا قَالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله تَعَالى ‏"‏، فقال أبو بكر الصديق‏:‏ الزكاة من حقها‏.‏

ثم قال‏:‏ والله لو منعوني عقالاً مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم عليه‏.‏ فاتفقت الصحابة على قول أبي بكر، وجمعوا العسكر، وجاءهم من قبل اليمن سبعة آلاف رجل، واجتمع ثلاثة آلاف من أفناء الناس، فخرجوا وأميرهم «خالد بن الوليد»، وقاتلهم، وخرج مسيلمة الكذاب مع أهل اليمامة، واجتمع الأعراب معه، وكان بينهم قتال شديد، فقتل يومئذٍ من المسلمين مائة وأربعون رجلاً ومنهم «ثابت بن قيس بن شماس»، «وسالم مولى أبي حذيفة» وغيرهما فكاد المسلمون أن ينهزموا كلهم حتى نصرهم الله، وأظهرهم على أعدائه، وقُتل مسيلمة الكذاب، وأصحابه، وتاب أهل الردة، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِى الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ‏}‏ يعني‏:‏ يحبون الله ‏{‏أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين‏}‏ يعني‏:‏ رحيمة ليّنة على المؤمنين ‏{‏أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين‏}‏ يقول‏:‏ شديدة غليظة ‏{‏عَلَى الكافرين‏}‏ يعني‏:‏ أهل اليمن‏.‏

وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ أَتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ هُمْ ألْيَنُ قُلُوباً، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإيمانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ‏"‏ وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال‏:‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِى الله بِقَوْمٍ‏}‏ يعني‏:‏ الجند من جنود الله، مرداً وعوناً للخليفة أبي بكر، يحبهم الله كحب الوالد لولده، أذلة على المؤمنين كالعبد لسيده، ‏{‏أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين‏}‏ كالسبع على فريسته‏.‏

ويقال‏:‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِى الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ‏}‏ هو أبو بكر وأصحابه، وقال الحسن‏:‏ هو والله أبو بكر وأصحابه‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتدت العرب جاهدهم حتى ردهم إلى الإسلام‏.‏ وهذا من شمائل أبي بكر، حيث اتفقت الصحابة على رأيه، وذكر أنه لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم، همَّ المنافقون أن يُظهروا كفرهم، وتحير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك، حتى جاء عمر وصعد المنبر فقال‏:‏ من قال إن محمداً قد مات فأنا أفعل به كذا وكذا، بل هو حي حتى يخرج إليكم‏.‏ وقد وعدنا الله تعالى أن يظهره على الدين كله‏.‏ فجاء أبو بكر، فقال له‏:‏ انزل يا عمر، فصعد أبو بكر، فقال‏:‏ من كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم، فقد مات محمد صلى الله عليه وسلم، ومن كان يعبد الله تعالى فهو حي لا يموت، ومن أراد أن يرجع عن دينه فليس بيننا وبينه إلا السيف‏.‏ فخاف المنافقون، فكتموا نفاقهم وقرأ ‏{‏إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 30‏]‏ وقرأ ‏{‏وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً وَسَيَجْزِى الله الشاكرين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 144‏]‏ فقال عمر‏:‏ كأني لم أكن سمعت هذه الآية‏.‏ ثم اختلاف آخر كان في دفنه، فقال أبو بكر‏:‏ يدفن حيث مات فاتفقوا على قوله‏.‏ ثم اختلاف آخر كان في سقيفة بني ساعدة في الخلافة، فاتفقوا على قوله‏.‏ ثم اختلاف أهل الردة، وكلهم اتفقوا على قوله‏.‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يجاهدون فِى سَبِيلِ الله‏}‏ يعني‏:‏ في طاعة الله ‏{‏وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ‏}‏ يعني‏:‏ لا يخافون ملامة الناس بما يعملون من الطاعات ‏{‏ذلك فَضْلُ الله‏}‏ يعني‏:‏ ذلك توفيق الله ‏{‏يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء‏}‏ يعني‏:‏ يوفق من يشاء‏.‏ ويقال‏:‏ ذلك دين الله الإسلام يهدي به من يشاء ‏{‏والله واسع عَلِيمٌ‏}‏ يعني‏:‏ واسع الفضل عليم بمن يصلح للهدى‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 56‏]‏

‏{‏إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ‏(‏55‏)‏ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

‏{‏إنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ‏}‏ وذلك أن عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن اليهود أظهروا لنا العداوة، وحلفوا أن لا يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، بعيدة من المسجد، ولا نجد محدثاً دون هذا المسجد، فنزلت هذه الآية ‏{‏إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ‏}‏ يقول‏:‏ حافظكم وناصركم الله ورسوله ‏{‏والذين ءامَنُواْ‏}‏ فقال‏:‏ يا رسول الله رضينا بالله ورسوله، وبالمؤمنين‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، أتاه بنو أسد بن خزيمة، وهم سبعمائة رجالهم ونساؤهم‏.‏ فلما قدموا المدينة‏.‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله اغتربنا وانقطعنا عن قبائلنا، وعشيرتنا فمن ينصرنا‏؟‏ فنزل ‏{‏إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ وذلك أن بلالاً لما أذّن، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس في المسجد يصلون بين قائم وراكع وساجد، فإذا هو بمسكين يسأل الناس، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ «هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئاً‏؟‏» قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ «مَاذَا»‏؟‏ قال‏:‏ خاتم فضة‏.‏ قال‏:‏ «وَمَنْ أَعْطَاكَ»‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ ذلك المصلي‏.‏ قال‏:‏ «فِي أيِّ حَالٍ أعْطَاكَ»‏؟‏ قال‏:‏ أعطاني وهو راكع‏.‏ فنظر، فإذا هو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه‏.‏ فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على «عبد الله بن سلام» ‏{‏الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يتصدقون في حال ركوعهم حيث أشار بخاتمه إلى المسكين حتى نزع من أصبعه، وهو في ركوعه‏.‏ ويقال‏:‏ يراد به جميع المسلمين أنهم يصلون ويؤدون الزكاة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين ءامَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ يجعل الله ناصره ويجالس النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ‏{‏فَإِنَّ حِزْبَ الله‏}‏ يعني‏:‏ جند الله ‏{‏هُمُ الغالبون‏}‏‏.‏ قال محمد بن إسحاق‏:‏ نزلت هذه الآية في «عبادة بن الصامت»، حين تبرأ من ولاية اليهود يعني‏:‏ يهود بني فينقاع، وتولى الله ورسوله، فأخبر الله تعالى أن العاقبة لمن يتولى الله ورسوله، فإن الله ينصر أولياءه، ويبطل كيد الكافرين، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون‏}‏ يعني‏:‏ هم الظاهرون على أعدائه والعاقبة لهم وقوله تعالى‏:‏